الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
374
المنقذ من التقليد
التأدّب ومتى فعل فعلا آخر دعاه إلى التخلف وترك التأدب فانّه يجب عليه أن يعرّفه ذلك ويأمره بأحدهما وينهاه عن الآخر ؛ كذلك يجب في حكمة القديم تعالى أن يعرّف المكلّفين مصالحهم ومفاسدهم وإنما يمكن تعريفهم ذلك على ألسن الأنبياء ، عليهم السلام فهذا أكبر الأغراض المتصوّرة في البعثة . وممّا يتصوّر أن يكون غرضا فيها أن يعرّف من جهتهم استحقاق العقاب على المعاصي والإخلال بالواجبات ودوام الثواب ودوام عقاب الكفر ، لأنّ جميع ذلك ممّا لا يمكن أن يعلم عقلا على مذهب الخاصة وعلى مذهب المعتزلة . وإن كان معرفة هذه الأمور عقليّة وأمكن التوصّل إليها بالعقل ، فانّها ممّا يمكن أن يكون غرضا في البعثة على ما سنبيّنه . وممّا يمكن أن يكون غرضا في البعثة أن يعرّف من جهتهم القطع على عقاب من يعاقبه تعالى قطعا ، كالكفّار وبعض فسّاق أهل الصلاة مجملا . فانّ العقل يجوّز العفو عن جميعهم . وممّا يتصوّر أن يكون غرضا في البعثة أن يعرّف من جهتهم وحدانيّته تعالى ، وكلّ مسألة لا يقدح الشك فيها في العلم بصحّة السمع . وقد قيل فيما يتصوّر أن يكون غرضا في البعثة تأكيد العقليات لو علم اللّه تعالى أنّ المكلّفين عند تأكيدهم ودعائهم يختارون من الطاعات ما لا يختارونه مع فقد دعائهم أو يجتنبون عن القبائح ما لا يجتنبون عند فقد دعائهم . وقد قيل : فيما يتصوّر أن يكون غرضا في البعثة أن يعرّف من جهتهم الفرق بين السموم المهلكة والأطعمة المغذية . وقد قيل فيما يتصوّر أن يكون غرضا في البعثة تعريف اللغات . وأمّا مطالبة السائل لنا ببيان تعرّي البعثة من سائر وجوه القبح ، فممّا لا يلزمنا ، لأنّا ما ادّعينا في هذا الموضع تعري البعثة عن وجوه القبح ، بل قلنا متى تعرّت من سائر وجوه القبح كانت حسنة ، مهما حصل فيها بعض